قد يكون من الضروري لأيّ دولة أن تأخذ في الاعتبار كلّ المعطيات المحيطة بها والتحديات الكبيرة التي تواجهها قبل أن تتخذ القرارات الكبرى بشأن تحديد الاستراتيجية التي سوف تتّبعها وتسير على ضوئها في مختلف المجالات.
لكن هذا العامل الحاكم يجب أن ينطلق من رؤية واضحة ومحدّدة لتحقيق المصالح العليا للدولة، وعدم التفريط بأيّ حقّ أو ثروة، وقبل ذلك عدم السماح بأيّ مسّ قد يطال السيادة الوطنية على كلّ شؤون الدولة وتفاصيلها في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
ما تقدّم ينطبق على واقعنا الحالي اليوم في لبنان، حيث تُطرح أمامنا جُملة خيارات وتحديات سواء كانت منفصلة أو مترابطة، ولكن لا بدّ أن تتخذ دولتنا القرار في كيفية التعاطي معها... استناداً إلى الأسس التي تؤمّن مصلحة الشعب واستقراره وكرامة عيشه وسيادته على كامل الأرض والموارد.
انطلاقاً من هنا يمكن مقاربة كلّ المسائل المطروحة اليوم وأوّلها ما يُطرح بالنسبة للصراع مع العدو الإسرائيلي حيث هناك مَن يتحدث عن مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة برعاية الأميركيين ومواكبة الأمم المتحدة على غرار ما حصل خلال مرحلة التفاوض على ترسيم الحدود البحرية في العام 2022.
المفارقة الأولى التي لا بدّ أنّ المسؤولين يعرفونها جيداً هي أنّ الحدود البرية بين لبنان وفلسطين مُرَسّمة منذ العام 1923 في زمن الانتدابين الفرنسي والبريطاني على البلدين، وهي حدود معترف بها دولياً منذ اتفاق الهدنة الموقع عام 1949 بين لبنان وكيان العدو، وهذا ما أكدت عليه كلّ القرارات الدولية المتعلقة بلبنان لا سيما القرار 425 عام 1978 وكلّ ما تبعه من قرارات حتى يومنا هذا.
إذن لا حاجة هنا إلى مفاوضات على ترسيم الحدود البرّية، طالما أنّ هذا الترسيم موجود. وإذا كان لا بدّ من مفاوضات فهي بالطبع مفاوضات تقنية لتنفيذ القرارات الدولية وآخرها القرار 1701 الذي تمّ على أساسه اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024، والذي لم يلتزم به العدو حتى الآن، وبالتالي فإنّ هذا الشكل من المفاوضات هو الحدّ الأقصى الذي يمكن أن يتضمّنه أيّ قرار محتمل قد يصدر عن السلطة في لبنان، أيّ عن مجلس الوزراء.
هذا يعني أنّ القرار الصحيح يجب أن يُبنى على معطيات صحيحة وثابتة. ولا يقتصر الأمر هنا على الشأن السياسي، بل يطال كلّ الجوانب الأخرى وفي الطليعة الشأن الاقتصادي، إذ على الدولة بسلطاتها المعنية أن تقوم بواجباتها ولا تترك الأمور تسير على هواها فتعمّ الفوضى وتتدهوَر الأوضاع وتسوء الأحوال كما هو حاصل عندنا في لبنان، حيث بلغت الأزمات الاقتصادية حدّها الأقصى ولم يعُد جائزاً على الإطلاق تركها بدون قرارات إنقاذية جدية وجذرية.
والخيارات في هذا المجال موجودة ومُتاحة، لكن الغائب هو القرار السياسي نتيجة التباين بين أفرقاء السلطة، وهذا ظاهر بوضوح من خلال الحضور اللبناني في واشنطن هذه الأيام لمتابعة اجتماعات الخريف التي يعقدها صندوق النقد الدولي، حيث لا يُعبّر الوفد اللبناني أو الوفود اللبنانية عن وجهة نظر واحدة ومطالب واحدة ومقاربة واحدة...
وإذا كان لنا أن نقترح اعتماد حلّ ما للخروج من هذه الدوامة المعقدة، نقول إنّ الحلّ موجود وذلك بالعودة إلى خطة التعافي المالي والاقتصادي التي أقرّتها حكومة الرئيس د. حسان دياب في 30 نيسان 2020، وهي الخطة التي وافق عليها صندوق النقد الدولي، وأثنى عليها البنك الدولي، وبما أنّ الحكم استمرار فالأوْلى أن تستعيد الحكومة الحالية تلك الخطة وتضعها على الطاولة من جديد وتجري عليها التحديث اللازم بعد مرور أكثر من خمس سنوات على إقرارها، لكن الأسس التي قامت عليها لا تزال صالحة بالتأكيد...
علماً أنّ حكومة الرئيس دياب وضعت ثلاث خطط تفصيلية مواكِبة لخطة التعافي تُعنى بالنهوض بقطاعات الاقتصاد الحقيقي (الزراعة والصناعة والسياحة) على أن يُعتمد بشكل أساسي على التكنولوجيا المتطوّرة والذكاء الاصطناعي بما يُحسّن الإنتاج كمّاً ونوعاً ويعطيه قيمة مضافة، وهذا بالضبط ما يحتاجه الاقتصاد اللبناني لكي يستعيد عافيته وقدرته على ترقية حياة المواطنين إلى مصاف الدول المتقدمة...
يبقى المُلحّ أن يتوفر القرار المطلوب لوضع المقدمات السياسية اللازمة التي لا يمكن من دونها الانطلاق نحو التعافي الاقتصادي والمالي، وإلا ستكون أمامنا رمال متحركة تؤدي بنا إلى مزيد من الغرق الذي لا نجاة بعده...





